الجاحظ
393
الحيوان
خنق مرّة وشمّ بخار * ثمّ رضخ بالجندل المتوالي لأنّ من الخنّاقين من يكون جامعا ، وبذلك يسمّونه إذا جمع الخنق والتشميم ، وحمل معه في سفره حجرين مستديرين مدملكين وململمين فإذا خلا برجل من أهل الرّفقة استدبره فرمى بأحدهما قمحدوته « 1 » ، وكذلك إن كان ساجدا . فإن دمغه الأول سلبه ، وإن هو رفع رأسه طبّق بالآخر وجهه . وكذلك إن ألفاه نائما أو غافلا . ولقد صحب منهم ناس رجلا خرج من الرّيّ ، وفي حقوه هميان « 2 » ، فكان لا يفارق معظم النّاس ، فلمّا رأوه قد قرب من مفرق الطّريقين ورأوا احتراسه ، وهم نزول إمّا في صحراء وإمّا في بعض سطوح الخانات ، والنّاس متشاغلون بأمورهم ، فلم يشعر صاحب الهميان نهارا والنّاس حوله إلا والوهق « 3 » في عنقه ، وطرحه الآخر حين ألقاه في عنقه ، ووثب إليه وجلس على صدره ، ومدّ الآخر برجليه وألقى عليه ثوبا وأذّن في أذنه فقام إليهم بعض أهل الرّفقة كالمعين والمتفجّع ، فقالوا له : مكانك ؛ فإنّه إن رآك خجل واستحى . فأمسك القوم عنهم ، وارتحل القوم ، وأعجلوا بصاحبهم ، فلمّا خلوا به أخذوا ما أحبّوا ، وتركوا ما أحبّوا ، ثمّ حملوه على أيديهم ، حتى إذا برزوا رموه في بعض الأودية . 455 - [ شعر أعشى همدان في السبئية ] وقد ذكر أعشى همدان السّبئيّة وشأنهم في كرسيّ المختار : [ من الطويل ] شهدت عليكم أنّكم سبئيّة * وإنّي بكم يا شرطة الكفر عارف « 4 » وأقسم ما كرسيّكم بسكينة * وإن كان قد لفّت عليه اللفائف وأن لبّس التّابوت فتنا وإن سمت * حمام حواليه وفيكم زخارف وإنّي امرؤ أحببت آل محمّد * وآثرت وحيا ضمّنته المصاحف وإن شاكرا طافت به وتمسّحت * بأعواد ذاو دبرت لا تساعف ودانت به لابن الزّبير رقابنا * ولا غبن فيها أو تحزّ السّوالف وأحسب عقباها لآل محمّد * فينصر مظلوم ويأمن خائف ويجمع ربى أمّة قد تشتّتت * وهاجت حروب بينهم وحسائف
--> ( 1 ) القمحدوة : الهنة الناشزة فوق القفا وأعلى القذال خلف الأذنين ومؤخر القذال . « القاموس : قمحد » . ( 2 ) الحقو : الكشح : وهو مكان عقد الإزار . « القاموس : حقو » . الهميان : وعاء للدراهم « القاموس : همى » . ( 3 ) الوهق : حبل مفتول يرمى في أنشوطة ؛ فتؤخذ به الدابة . « القاموس : وهق » . ( 4 ) الأبيات الخمسة الأولى في التاج ( خشب ) ، وأنساب الأشراف 5 / 542 .